الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ - منتدى ثقافي لسماحة المرجع الديني السيد كاظم الحسيني الحائري - الكاظمية المقدسة

اخر الأخبار

الخميس، 22 يناير 2015

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ


بقلم : الشيخ حامد الظاهري

الصلاة لغة وشرعا , ورد في اللسان في مادة (صلا) : الصلاةُ : الدعاءُ و الاستغفارُ ، والصلاةُ من الله تعالی الرحمة ، فصلاةُ الله على رسوله رحمتُه له و حُسنُ ثنائه علیه ، وفي حدیث ابن أبي أوفى أنه قال : أعطاني أبي صدقة ماله ، فأتیت بها رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال : «اللهم صل علی آل أبي أوفی » قال الأزهريّ : هذه الصلاةُ عندی الرحمة ومنه قوله عزّ وجلّ (إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يصَلُّونَ عَلَي النَّبِي يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً). فالصلاةُ من الملائکة دعاء واستغفار و من الله رحمة و به سُمّیت الصلاة لما فیها من الدعاء والاستغفار وفی الحدیث قوله (صلى الله عليه واله) : « اذ دُعي احدکم الی طعام فلیجب فإن کان مفطراً فلیطعم ، وإن کان صائماً فلیصلِّ » قوله : فلیصلِّ یَعني : فلیدعُ لأرباب الطعام بالبرکة والخیر.
واستعملت الصلاة فی الکتاب الکریم بمعانٍ عدّة:
منها بمعنی الصلاة المفروضة ، کقوله تعالی : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) النساء: 103.
ومنها بمعنی الثناء الجمیل ، کقوله تعالی : (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ) البقرة: 157.
ومنها بمعنی الدین کقوله تعالی : (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) هود: 87، قیل معناه : أ دینک یأمرک بترک دین السلف وقیل : إنما قالوا ذلک لأن شعیباً (عليه السلام) کان کثیر الصلاة، وکان یقول إذا صلّی : إن الصلاة رادعة عن الشرّ ناهیة عن الفحشاء والمنکر فقالوا : أ صلاتک التی تزعم أنها تأمر بالخیر وتنهی عن الشر أمرتک بهذا.
ومنها بمعنی الدعاء کقوله تعالی : (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ) التوبة: 103. أی : وادع لهم ، إنّ دعواتک مما تسکن نفوسهم إلیه.
الصلاة في الکتاب الکریم
ما أوصی الله تعالی في کتابة بوصایا إلا کانت الصلاة رأسها وأولها ، وتحدّث القرآن الکریم عن لزومها وأهمیتّها ودورها التربوي فی حیاة الفرد المسلم في آیات متعدّده ، نختار نماذج منها:
الأول : قال تعالى : (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) البقرة: 238.
ورد فی سبب نزولها : أن النبي (صلى الله عليه واله) کان یصلي الهاجرة ، أي : نصف النهار عند اشتداد الحرّ وکانت أثقل الصلوات على أصحابه فتذرّع جمع بحرارة الجوّ فی وقت الظهیرة للانصراف عن صلاة الجماعة. فقل بذلک عدد المصلین خلف رسول الله (صلى الله عليه واله) فلا یکون وراءه إلا الصف أو الصفان ، فتألم لذلک کثیراً فهددّ من لم یشهد الصلاة بحرق بیوتهم. روی ذلک الشیخ الطبرسي في المجمع عن زید بن ثابت. فنزلت الآیة وبینّت اهمیتة صلاة الظهر جماعةً بصورة مؤکدة، وهذا التأکید یدلّ علی أنّ مسألة المشارکة فی صلاة الجماعة له من الخطر ما دعی النبيّ (صلى الله عليه واله) إلى أن یتّخذ مثل ذلک الموقف الحازم تُجاه عدم المشارکة فی صلاة الجماعة.
ثم اختُلف فی المراد بالصلاة الوسطی علی أقوال عدّة بلغت فی المجمع ستة ، فقیل : إنّها صلاة الظهر وهو المروي عن أبي جعفر وأبی عبدالله (عليه السلام) . وقیل : إنها صلاة العصر، وإنّما خصت بالذکر لأنها تقع فی وقت اشتغال الناس غالباً ، وروي عن النبي (صلى الله عليه واله) أنه قال : «الذی تفوته صلاة العصر فکأنما وتَرَ (أي : قطع وأبعد) أهله وماله » وروی بریدة قال : قال النبی (صلى الله عليه واله) : «بکّروا (أی : اسرعوا) بالصلاة فی یوم الغیم فإنه من فأتته صلاة العصر حبط عمله .»
ولکن القرائن المختلفة تثبت أنّها صلاة الظهر ، فسبب نزول الآیة الکریمة فضلاً عن کون الصلاة تقع في وسط النهار ـ یدلّ علی أنّ المقصود بالصّلاة الوسطی هو صلاة الظهر ، کما صرحت بذلک روایات عدیدة أیضاً.
قال فی المجمع : (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ) «أي : داوموا علی الصلوات المکتوبات في مواقیتها بتمام أرکانها، ثم خصّ الوسطی تفخیماً لشأنها ، فقال : (والصَّلاَةِ الْوُسْطَى) أي : والصلاة الوسطی خاصّة فداوموا علیها. »
و (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) فسّرت بمعنی داعین في قنوتکم وقیل مطیعین وقیل مقرین بالعبودیة ومثله قوله تعالی : (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) البقرة: 116. وقوله تعالی في مریم : (وکانت مِنَ القانتین) التحریم : 12. أي : من المطعین لله الدائمین علی طاعته، ولم یقل : من القانتات لتغلیب المذکر علی المؤنث. ولایبعد أن تکون کل هذه المعاني مرادة في هذه الآیة ، کما وردت في روایات عن أبی عبدالله (عليه السلام) منها ما فی تفسیر العیاشي : قال: «الصلاة الوسطی الظهر ، وقوموا لله قانتین : إقبال الرجل علی صلاته ، ومحافظته علی وقتها حتى لایلهیه عنها ولا یشغله شیء. »
الثاني: قال تعالی: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتاً) النساء: 103. الکتابة کنایة عن الفرض والإیجاب کقوله تعالی (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) البقرة: 183. والموقوت : المحدود بأوقات لا تزید ولا تنقص ولا یجوز التقدیم علیها ولا التأخیر .
فالصلاة إذن فریضة واجبة موقتة تؤدّی فی أوقاتها ، ولا یجوز التقدیم علیها ولا التأخیر.
الثالث قوله تعالی : (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود: 114.
قیل : أراد بطرفي النهار : صلاة الفجر والمغرب. وبُزلَف من اللیل : صلاة العشاء الآخرة ، والزُلف أول ساعات اللیل القریبة من آخر النهار ، من ازلفه اذا قربه فتنطبق علی صلاة العشاء. وهو المروي فی تهذیب الاحکام عن أبی جعفر(عليه السلام) فی حدیث طویل وفیه:«أقم الصلاة طرفي النهار ، وطرفاه : المغرب والغداة ، وزلفاً من اللیل وهی صلاة العشاء الآخرة ».
وقوله تعالی (إنَّ الْحَسَناتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئات) تعلیل لقوله تعالی : (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ...) وبیان : أن الصلوات حسنات واردة علی نفوس المؤمنین تذهب بآثار المعاصي وهي ما تعتریها من السیئات وتبیّن تأثیر الأعمال الصالحة في محو أثر الأعمال السیئة شبه ما ورد في قوله تعالى : (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) النساء: 31.
و (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) العنکبوت: 7. بل أن الذنوب والأعمال القبیحة تکون تدریجاً نوعا من الظلمة فی روح الأنسان ونفسه بحیث لو استمر علی المعاصي والأعمال السیئة لتراکمت علی روحه الظلمات وتغطي قلبه برین المعاصي إلا أن العبادة والعمل الصالح وما یتقرّب به الی الله تعالی من الطاعات تعید للإنسان بصیرته ونقاء روحه ، وتبدّل ظلمات نفسه بأنوار یبصر بها سبیل هدایته.
روی الشیخ الکلیني فی الکافي عن ابي عبدالله(علي السلام) فی قوله الله عز و جل : (إنَّ الْحَسَناتِ یُذْهِبْنَ السَّیِّئات) قال :« صلاة المؤمن باللیل تذهب بما عمل من ذنب النهار. »
وفی المجمع عن أبي عثمان، قال: «کنت مع سلمان تحت شجرة ، فأخذ غصناً یابساً منها فهزّه حتی تحاتّ (أي: تساقط) ورقه ثم قال یا اباعثمان أ لا تسألنی لم افعل هذا ؟ قلت : ولم تفعله؟ قال : هکذا فعله رسول الله (صلى الله عليه واله) وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصناً یابساً فهزة حتی تحات ورقه ، ثم قال: أ لا تسألنی یا سلمان لم افعل هذا ؟ قلت : ولم فعلته ؟ قال : إن المسلم اذا توضأ فاحسن الوضوء ثم صلی الصلوات الخمس تحاتّت خطایاه کما تحات هذا الورق. ثم قرأ هذه الآیة : وأقم الصلاة ، الی آخرها. »
وفی المجمع عن الحارث عن علي بن ابي طالب(عليه السلام) قال : «کنّا مع رسول الله (صلى الله عليه واله) فی المسجد ننتظر الصلاة ، فقام رجل فقال: یا رسول الله أنی اصبت ذنباً، فاعرض عنه ، فلما قضی النبي الصلاة قام الرجل فاعاد القول ، فقال النبي : أ لیس قد صلّیت معنا هذه الصلاة واحسنت لها الطهور؟ قال : بلی. قال : فإنها کفارة ذنبک .»